أحمد مصطفى المراغي

153

تفسير المراغي

لا تتراءى ناراهما » أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى ، إذ يجب على المؤمن مجانبة الكافر والمشرك في أمور الدين ، والتغيظ : إظهار الغيظ ، والمراد صوت التغيظ ، والزفير : إخراج النفس بعد مده ، مقرنين : أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل ، والثبور : الهلاك ، وجنة الخلد : هي التي لا ينقطع نعيمها ، مسؤولا : أي جديرا أن يسأل ويطلب ، لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون . المعنى الجملي بعد أن حكى سبحانه شبهتهم فيما يتعلق بالمنزّل وهو القرآن - ساق شبهتهم في المنزّل عليه ، وهو الرسول على الوجه الذي ذكره ثم فنّد تلك الشبه وبين سخفها وأنها لا تصلح مطعنا في النبي ، ثم حكى عنهم نوعا ثالثا من أباطيلهم وهو تكذيبهم بيوم القيامة ، ثم وصف ما أعد للكافرين فيه مما يشيب من هوله الولدان من نار تلظى يسمعون لها تغيظا وزفيرا ، ووضعهم فيها مقرنين في الأصفاد ، وندائهم إذ ذاك بقولهم يا ثبوراه ، ثم أتبع ذلك بما يؤكد حسرتهم وندامتهم بوصف ما يلقاه المتقون في جنات النعيم : مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأن هذا ما وعدهم به ربهم الذي لا خلف لوعده . الإيضاح حكى اللّه هنا أن المشركين ذكروا خمس صفات للنبي تمنع النبوة في زعمهم : ( 1 ) ( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ؟ ) أي أىّ شئ ميّزه عنا وجعله يدعي النبوة مع أنه يأكل كما نأكل ويشرب كما نشرب ؟ ( 2 ) ( وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) لابتغاء الرزق كما نفعل فهو مثلنا ، فمن أين له الفضل علينا ؟ وهم يقصدون بذلك استبعاد الرسالة عنه ، لمنافاتها للأكل والشرب وطلب المعاش ، وكأنهم قالوا : إن صح ما يدعيه ، فما باله لم يخالف حاله حالنا ولم يؤت ميزة دوننا ؟